سيد محمد طنطاوي
160
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الملتوت . . فكانت تلك الجبال كالهباء المنبث أي : المتفرق الذي يلوح من خلال شعاع الشمس إذا ما دخل من نافذة . . إذا ما حدث كل ذلك ، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ، ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه . فجواب الشرط ما ذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء عاقبة أصحاب المشأمة . ومن الآيات الكثيرة ، التي وردت في معنى هذه الآيات قوله - تعالى - : يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبالُ وكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا « 1 » . والخطاب في قوله - تعالى - : * ( وكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ) * للناس جميعا ، وكان بمعنى صار ، والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع . . أي : وصرتم - أيها الناس - في هذا اليوم الهائل الشديد ، أصنافا ثلاثة ، على حسب أحوالكم في الدنيا . . ثم فصل - سبحانه - الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال : * ( فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ، وأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ . والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) * . والمراد بأصحاب الميمنة ، أولئك السعداء الذين يؤتون كتبهم يوم القيامة بأيمانهم ، أو لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة . . أو سموا بذلك ، لأنهم ميامين ، أي : أصحاب بركة على أنفسهم ، لأنهم أطاعوا ربهم وخالفوا أهواءهم . . فكانت عاقبتهم الجنة . وسمى الآخرون بأصحاب المشأمة ، لأنهم مشائيم ، أي : أصحاب شؤم على أنفسهم ، لأنهم طغوا وآثروا الحياة الدنيا ، فكانت عاقبتهم النار . أو سموا بذلك ، لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم . أو لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار . . والعرب تسمى الشمال شؤما ، كما تسمى اليمين يمنا . والتعبير بقوله : * ( ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) * للتفخيم والإعلاء من شأنهم ، كما أن التعبير بقوله - تعالى - : * ( ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ) * للتحقير والتعجيب من حالهم . وجملة : * ( ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) * مكونة من مبتدأ - وهو ما الاستفهامية - ، وخبر وهو
--> ( 1 ) سورة المزمل الآية 14 .